العاطلون عن الأمل من دمشق إلى? وهران

الموضوع في 'أخر أخبار سوريا' بواسطة سوريا اليوم, بتاريخ ‏1 ابريل 2013.

  1. سوريا اليوم

    سوريا اليوم مراسل صقور الأبداع من سوريا

    x
    نصري الصايغ&#00 :السفير

    «قالت امرأة للسحابة
    غطي حبيبي
    فإن ثيابي مبلّلة بدمه»</p> (محمود درويش)

    I ـ من «أطفال درعا» إلى اليوم

    عامان على «أطفال درعا». من يتذكر تلك البداية؟ من يستعيد المأساة من زمن طفولتها الأول؟ من يجرؤ على استحضار «الربيع السوري»، عندما كان شغف التغيير، يتربى على مواجهة التعذيب والقمع والقتل والاستبداد، بتربية الأمل؟ سوريا اليوم، عاطلة عن الأمل. لا وقت لغير القتل. أطفال درعا خرجوا من المشهد. الساحة مكتظة بالقتلة والقتلى، بلا براءة.
    البحث عن كوّة، بعد عامين، يفضي إلى هوّة. النظام يخسر ولا يُهزم، والمعارضة تربح ولا تنتصر، وسوريا بينهما تحتضر ولا تموت. هو زمن الأوهام وأثمانها الدامية. أوهام النظام بالبقاء، ولو على الركام، وأوهام المعارضة على «نصرة» تبشر بانتصار الظلام.
    «عاطلون عن الأمل»؟ صفة ملازمة للمسارات السورية. المعارك اليومية في الأرياف والمدن والحارات والشوارع تستعاد كل يوم. ما يخسره فريق، لا يكسبه آخر. الخسائر هي الجامع المشترك. البداية، استهولت إحصاء القتلى. كانوا فرادى، ثم ارتقوا سلم الأعداد إلى العشرات، ثم بسرعة تسلقوا خانة المئات… وتوقف عند هذا المقام تعداد القتلى. كل الأرقام المئوية باتت خبرا بائتا في مطحنة الإعلام… ما بعد البداية، استهول السوريون، والعالم من بعيد، المجزرة الأولى، ثم توالت بالعشرات، ثم تبادل الفريقان الهدايا. كل مجزرة لها أخت بحقوق من جنسها. كم عدد المجازر؟ من يهتم بذلك؟ «العاطلون عن الأمل» صاروا أقل اكتراثا بموتاهم وموتهم أيضاً.

    II ـ البحث عن كوّة أم هوَّة؟

    لا أمل، لأن لا حل. المعارضة التي استدرجت إلى السلاح، غرقت بدمائها ودماء السوريين. عَوّلت على نصير عسكري دولي، فخاب ظنها، لسوء فهمها المريع لواقع سوريا وموقعها، ولواقع ومواقع القوى الدولية. فسوريا ليست ليبيا، ولا هي تشبه اليمن… المعارضة التي تسلّحت ثم تعسكرت، تشجعت في طلب المعونة. سخت قطر عليها مالا و«صحوة» و«إخوانا»، وتبرعت السعودية في رفد الجميع بالعتاد ومشتقاته…
    لا أمل، لأن لا حل. النظام كابر بغلواء. قال: «لعبة صبيان». سخر من «الربيع العربي». اعتبر أن القمع السريع الشديد، علاج يئد «الربيع» في مهده. توغل النظام في القمع، راهن على رصده الممانع، على قوميته المؤجلة، على آلته العسكرية وقواه الأمنية الساحقة. راهن على ما يجعله يخسر بلا حساب، حتى هربت منه الأرض ومن عليها، ولم يبق له من سوريا غير سماء يستبيحها بطائراته وصواريخه، ونتف جغرافية ضائعة في ما بين الشاطئ والصحراء… منذ آذار 2011 حتى الأمس، ما مرّ يوم لم يسقط فيه قتلى. بعض الأيام أترعت بالأعداد، حتى بلغت الذروة، عندما قرر النظام إعلان الحرب على المعارضة، في 26 حزيران من العام 2012، وعندما تدفقت «أسلحة الأشقاء» العرب على بعض أطراف المقاومة.
    لا أمل، لأن لا حل. فشلت المعارضة في فتـح كوّة للانتصار أو الحل السياسي، وفـشل النـظام في استعادة ما تستحيل استعادته. هو مضطر كي يبقى في السلطة، وقد يبقى إلى زمن غير معروف وغير محسوب، لان يستعمل القوة والمزيد منها، ولو «أحرقت روما» المشرق.
    وهمان يتصارعان وسوريا هي الحقيقة الوحيدة بصيغة الضحية. وقبل ذلك، كان لبنان الأوهام. أفنى خمسة عشر عاماً من عمر أجياله، قتلا وتدميراً وتهجيرا وفتكاً وأحقاداً، ولم يحصل على غير الركام السياسي والاجتماعي والعمراني… والشاهد على ذلك ما آل إليه لبنان من وقوف على الحافة، بعيد اندلاع الأزمة السورية في بلاد الشام، وانزلاقه معها إلى الخطر.

    III ـ ديبلوماسية العجز

    «عاطلون عن الأمل» إلى أجل غير مسمّى: العرب تبرعوا بدعم المعارضة وتبوأوا منصة الحرب على النظام. طردوه من الجامعة، حاصروه في كل مكان، ابتدعوا ضده تنظيمات ومنظمات ومجالس وهيئات تنسيق. محاولات باءت بالفشل. سياسات عمقت الهاوية السورية ولم تلأم جرحا. حارب العرب بالدم السوري، نظاما يستهين بأعداد القتلى والمهجرين… تركيا تقود حربها الخاصة لنصرة «الاخوان»، وحوّلت حدودها من أرض نصرة إلى أرض «الجهاد» لتزويد المعركة «بالمجاهدين» من كل المعمورة السلفية، للقتال المطلق، ضد كل من لا يفتي فتواهم… أصدقاء سوريا تبخروا. لم يبق في الساحة الديبلوماسية، غير روسيا وأميركا واتفاق جنيف المتقاعد، والأخضر الابراهيمي، الذي يوزع التشاؤم، ولا يجد فسحة للأمل.
    «عاطلون عن الأمل»: روسيا تفكر بروسيا من خلال سوريا. لا تريد أن تقع ضحية عملية نصب عسكرية، تعرضت لها في ليبيا. تسلّحت «بالفيتو»، وأقدمت على تحصين النظام السوري دولياً، حيثما استطاعت. جمّدت كل حراك غربي ودولي. مارست ديبلوماسية المنع، فيما الغرب كان يمتهن دبلوماسية العجز. روسيا، لا سوريا، أمسكت بمفاتيح الحرب الدائرة والسلم المؤجل. وما أخلت روسيا بالدعم العسكري للنظام. لا مساومة على القاعدة: الحل السياسي يمر بالأسد والمعارضة معاً. حتى الآن، لا حل أبداً. والبديل، استمرار الحرب. حتى آخر حجر، وبعض البشر.
    بعض الإعلام في الغرب تجرأ على وصف سوريا بالمقبرة. والبعض رشحها لأن ترث الصومال، وآخرون قارنوها بأفغانستان.
    وإيران هنا أيضاً، لن تتخلى عن النظام، معبرها إلى لبنان وإلى تخوم الأرض المحتلة في فلسطين. لا تسمح بسقوط النظام، ولو كلّف ذلك استدامة الحرب. الحل السياسي يبدأ من مشاركة الأسد لا سواه، في صنعه. لا يستبعد الآن ولا بعد الآن.

    IV ـ البحث عن «مالطة» مشرقية

    وككل الحروب يسأل المحاربون من بعيد: ماذا نكسب من حروب الآخرين. اسرائيل أول السائلين. تنتظر القمح على البيدر السوري، بعدما تكون قد خرجت محطمة. دول الخليج، تقاتل إيران عبر النظام، في سوريا، كما تقاتله في العراق، من دون أن تسفك نقطة دم واحدة من جسدها الهش. الحرب السورية الداخلية، هي حروب الآخرين كذلك. حروب الآخرين أقوى وأشد وطأة من حروب المعسكرين السوريين. الأمرة العسكرية، لا تعود لسلطة الداخل، الموزعة من النظام والمعارضة، بحكم الواقع، بل تبقى بيد القوى السياسية الاقليمية والدولية. وهكذا لم تعد الأزمة السورية بيد السوريين. روسيا والصين وإيران ودول الخليج وتركيا ومصر والجامعة العربية ودول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الأميركية و… إسرائيل، لها حصة في مسار الحرب وحصص في ما ستسفر عنه هذه الحرب.
    حرب سوريا راهنا، تشرع الأبواب كرسم خريطة جيواستراتيجية للمنطقة والقوى الاقليمية والدولية فيها. وحتى الآن، لم يرسم أي خط بعد… فالمعارك طويلة، ولم يحن أوان الجلوس حول «مالطة» مشرقية، بين القوى العظمى الدولية والإقليمية لتقاسم مناطق النفوذ.
    سوريا هنا، بوابة العالم الجديد، إذا ظلت سوريا على قيد الحياة، سياسياً، لا مذهبيا.

    V ـ معركة الجمل


    بعد عامين على «أطفال درعا»، ماذا بقي من طفولة الربيع السوري وقد كان الأمل الذي استنبتته ثورة البوعزيزي في تونس، و«الميدان» في مصر، تحوّل إلى كوابيس. لا ربيع في المستقبل سوريا: سبعون ألف قتيل على الأقل، عشرات آلاف المعتقلين، مئات آلاف الجرحى، مئات آلاف المهجرين والنازحين… المدن السورية اتسعت عمقاً، تحوّلت إلى مقابر. الأبنية إلى ركام، الناس إلى باحثين عن رغيف أو قطرة حليب او حبة دواء… من ظل في سوريا، يعيش على الكفاف ان استطاع، ومن نزح عنها، يعيش مذلة التهجير ومعاناة الشوق إلى البلد.
    من يهتم بذلك؟
    قلة قليلة قادرة على معالجة تداعيات الأزمة السورية، بحبة «أسبرين»، ومساعدات عينية مؤقتة وغير منتظمة. كرم في توريد السلاح والمال، وشحّ في مساعدة الغلابى، شهداء الحرب الأحياء، في مواطن اللجوء والتشرد والعذاب.
    من يهتم بذلك؟
    جيران سوريا، يخافون منها. لبنان مرشح لأن ينتظم في وحدة «المصير والمسار» إلى الهاوية، إن أفرط في التوغل والتدخل سوريا. الأردن مرشح لأن يتحوّل إلى خيام، لا مكان فيها للسلطة القائمة. العراق، على التخوم السورية، يكاد يشبهها مع وقف التنفيذ. ما عنده يشبه ما عندنا في لبنان، وما عندهم في سوريا.
    الخائفون على أنفسهم يتوقعون ان تطول الحرب السورية، وأن تمتد وتمتد. فلا يبقى من العرب، غير «معركة الجمل» الحديثة، وما أسفر عنها من عداء، بين سنة حاشدة وشيعة خائفة، ولا حول ولا قوة بعد ذلك أبداً.
    من يهتم بذلك؟
    في ديكتاتورية انعدام الأمل، أو انعدام الأفق، يتحوّل الإنسان إلى حيوان مختبر. تجري عليه التجارب كفأر. يصير الإنسان عَدما على قيد الحياة أو على وشك اللاشيء. لذلك، لا أحد يهتم بمصير الناس السوريين، باستثناء بعض منظمات الاغاثة الشحيحة… كذلك حصل في لبنان. كنا أعداداً متنقلة. صرنا أقل جغرافية. صرنا أقل إنسانيا، صرنا أقل حباً. في الحرب، يجرّد الإنسان من إنسانيته. لا يثير حتى الشفقة. تتكلس عيون المشاهدين. يصير الإنسان الضحية في الحروب مزعجا وموتراً ومغيّر أمزجة المشاهدين، فينصرفون عنه إلى عبث الحياة وعبث الدنيا. أما السياسيون والقادة العسكريون، عندما يلتئم شملهم على طاولة التفاوض أو في الخنادق المتواجهة، فيرون إلى المعارك والقتلى والمجازر، كمفاتيح للحلول السياسية.
    السوريون اليوم، صومال الأمس، لبنان الحرب، سودان الجنوب، وكل ما يمت إلى الخراب العام والدمار الرهيب.
    ينعدم الأمل تماما. فهل من بصيص في هذا المدى الدولي؟ هل من بارقة دبلوماسية أو سياسية؟ لا شيء في هذه الصحراء الجافة، غير «قفا نبك»، ويعصى الدمع، لأن القلب تيبّس.
    في رائعة البير كامو «الطاعون»، يفاجأ سكان مدينة وهران، بموت جرذ. يحتل الخبر الصفحة الأولى. موت الجرذ الأول يؤذن بمرض. يتحقق ذلك. تموت جرذان كثيرة، تنقل بالشاحنات إلى مكبات، ثم تتضاءل الأخبار المنقولة. أصبح موت الجرذان خبراً عادياً، إلى أن مات أول إنسان. احتل الخبر الصفحة الأولى… ثم مات آخر ثم آخرون… فضرب الحصار على المدينة، ولم تعد أخبار الموتى ذات أهمية وحساسية. انتقلت إلى الصفحات الداخلية. انه الطاعون. استسلم الجميع. وعاد الهدوء العفن إلى النفوس.
    هل دمشق واخواتها تشبه وهران؟
    يا إلهي! ما هذا السؤال؟
     

مشاركة هذه الصفحة